من أكثر القضايا التي يدور حولها النقاش وتثير الكثير من الضجة هي قضية المرأة، وفي محاولة للتوفيق بين حقوق المرأة في القوانين المدنية التي تقوم على مبادئ حقوق الإنسان وإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة وبين وضع المرأة في الفقه الإسلامي؛ سنجد بسهولة أن المشكلة في معظمها هي مع العرف وليس مع الفقه. من المعروف أن الفقه الإسلامي كما نعرفه هو أكثر تشددا من النصوص التي يعتمد عليها من الكتاب والسنة، ومع ذلك فانه حتى اعتمادا على نصوص الفقه الإسلامي كما هي موجودة وربما مع تعديل طفيف يرتكز بوضوح على النصوص وخاصة القرآن؛ يمكننا أن نصل إلى حل يتماشى مع القوانين المدنية وحقوق الإنسان وتنتفي فيه معالم التمييز ضد المرأة، على الأقل في القضيتين الأكثر حساسية بالنسبة للفكر الشرقي التقليدي وهما: لباس المرأة والعلاقات الجنسية للمرأة، ولنبدأ بالعلاقات الجنسية.
الفقه الحنفي وحتى بعض الفقهاء الآخرين (1) واضحين في أن المرأة الراشدة يمكنها تزويج نفسها وهم لا يشترطون موافقة الولي ومن هنا يمكننا اعتبار أن أي علاقة بين امرأة ورجل بموافقة كليهما هي علاقة شرعية، الشروط الأخرى مثل المهر بسيطة الحل. فهو يمكن أن يكون حتى معنويا كما هو مذكور في كثير من النصوص حيث زوج النبي امرأة من رجل بما يحفظ من القرآن أو خاتم من حديد، الشرط الأخير وهو الشهود هو الآخر من السهل حله مع أن بعض المذاهب الإسلامية لا تعتبره شرطا (2). هذا يعني أنه بالإمكان إذا تحررنا من التقاليد اعتبار أي علاقة بين رجل وامرأة راشدين لا يرتبط أي منهما بعلاقة أخرى وبرضا كلا الطرفين، علاقة شرعية، حتى دون التقيد بموافقة الولي أو وجود الشهود.
إنهاء العلاقة عادة يتم من قبل الرجل ولكن حديث الخلع المشهور واضح في أن المرأة هي الأخرى بإمكانها إنهاء علاقة الزوجية بشرط وحيد هو أن ترد إلى الرجل المهر الذي سبق أن دفعه لها(3) .
القضية المكملة للنقطة السالفة هي العدة حيث يجب أن تمر فترة معينة قبل أن تعود المرأة للارتباط بعلاقة جديدة بعد انتهاء علاقتها القديمة، ليس خاف أن هذا الشرط هو من أجل الحيلولة دون اختلاط الأنساب، بمعنى إذا كانت المرأة حاملا يمكن معرفة والد الطفل، وعندما تكون هذه القضية محلولة بأي طريقة فالأمر محلول، والدليل الواضح على ذلك هو عدة الحامل التي تنتهي بوضع حملها بنص القرآن وإجماع الفقهاء(4)، بحيث أن المرأة الحامل لو تمت ولادتها لحملها بعد ساعة من طلاقها فيمكنها أن تتزوج برجل آخر على الفور.
بالشكل السابق يمكن الوصول بسهولة إلى صيغة تجعل أي علاقة برضى الطرفين إذ لم يكن أحدهما أو كلاهما مرتبط بعلاقة أخرى وإذا كانا راشدين هي علاقة شرعية. فالإسلام أقل تشددا بكثير من كثير من الأديان في هذه المسألة كما هو واضح.
القضية الثانية هي لباس المرأة وهنا فالمسألة أبسط بكثير من الضجة المثارة حولها حيث أنه بالإجماع عورة الأمة وهي المرأة المملوكة في الأزمان القديمة، هي نفس عورة الرجل أي من الصرة إلى الركبة بل يذهب مالك في الصحيح من قوله إلى أن عورة الرجل هي فقط السوءتين وكذلك عورة الجارية(5،6). في الواقع ليس صحيح أبدا أن القصد من لباس المرأة هو منع الفتنة إذ الجواري يفتن حتى أكثر من الحرائر بكثير ومع ذلك فهن يلبسن ألبسة متكشفة بل عمر بن الخطاب كان ينهاهن عن الخمار لأن هذا مخصص للحرائر، نهي عمر كما هي الآية(أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) توضح تماما ما هو القصد وراء لباس الحرة للحجاب، الهدف واضح جدا وهو تمييزها من الجارية حتى لا تتعرض للاعتداء أو بصراحة للاغتصاب(لا يؤذين)، ومتى أمنت المرأة من هذه القضية زالت حاجتها للتجلبب، وكل كلام مخالف لهذا إنما يرتكز إلى مجرد التقاليد لا أكثر. فالأمر يزول بزوال الحاجة إليه، وإذا لم يكن الوضع هكذا فهذا يعني أن قتل الأسرى هو أمر قرآني واجب التنفيذ الآن وفي كل آن!!! بالطبع الوضع ليس كذلك فأمر قتل الأسرى كان لضرورة التعامل مع وضع انقضى وكذلك هو تجلبب النساء. من الأمور الغريبة هي: إذا كان شعر المرأة عورة علاوة على كل جسدها فكيف يسمح من يعتقد ذلك لنفسه أن يشاهد النساء مكشوفات أكثر من ذلك كثيرا على التلفزيون مثلا؛ إذا افترضنا أن هذه الفتنة مفروضة عليه في الشوارع الخارجة على آداب الدين!!! كثيرا ما يبدو الناس الأكثر تشددا منسجمين مع أنفسهم، الذين يحرمون حتى مشاهدة التلفزيون، وإلا كيف نحل هذه المعضلة فحتى نبعد الفتنة عن الناس نطالب بجلببة النساء في الشوارع والأماكن العامة بينما نشاهد ما هو أكثر من ذلك بمرات ومرات في بيوتنا وبمحض إرادتنا!!!!
يبقى ثلاث قضايا هي شهادة المرأة وارثها وتعدد الزوجات للرجل، الأوليين بتقديري بما أنهما لا تتعلقان بالوضع الجنسي أو الشهوي للمرأة – بصراحة – فيمكن إيجاد حلول لهما ببساطة فحتى قبل العصر الحديث كانت الحكومة العثمانية قد ألزمت الناس بتوزيع ارث الأراضي التي تعرف بالأميرية للذكر مثل الأنثى كذلك الشهادة فلا أحد يعترض على قبول شهادة المرأة بشكل مساوي لشهادة الرجل حسب علمي. القضية الأخيرة رغم أنها مشكلة عويصة إلا أننا نسمع الكثيرين من الفقهاء الذين يؤيدون منع تعدد الزوجات اعتماد على روح النص( فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) وهذا أي العدل مستحيل.
هذه مجرد محاولة لتبيان أن المشكلة تكمن في التقاليد أكثر بكثير من كونها تكمن في الفقه، وإذا كان لدى بعض المتدينين ومفسري النصوص وعلماء بمعنى المتخصصين في القضايا الشرعية حيث نحن لا نعترف بطبقة رجال دين في الإسلام، الرغبة في تحرير المرأة والرجل المسلمين من هذا الوهم الذي يشكل أكبر عبء في نفس الوقت، فبمقدورهم فعل ذلك دون مخالفة نصوص الدين وروحه، هذا إذا كانت لديهم الروح الحرة والشجاعة.
قضية تقييد الحرية الجنسية لا تصيب المرأة فقط بل والرجل أيضا، إنها تشل كامل المجتمع. لقد قلت مرارا وأكرر ذلك: الشاب والشابة اللذين يفاجآن بنداء جسديهما في سن الرابعة عشر تقريبا ويمكنهما الزواج في سن الخامسة والثلاثين بعد عشرين سنة، بعد أن تكون نداءات أجسادهم في طريقها للخفوت، بعد أن تكون هذه النداءات الطبيعية التي خلقها الله وليس نحن قد دمرت حياتهم تماما، لا يمكن أن يتوقع منهما أن يكونان فردين سليمين وأن يبنيا مجتمعا سليما. يعترض البعض على هذا الكلام بأنه من السهل التحكم بهذه الغريزة وأنا أتفهم ذلك ليس لأن البعض قوي الإرادة بل لأن بعض الناس وبشكل طبيعي لا علاقة لإرادته به، وإنما لتكوينه الذي خلقه الله عليه، لديه حاجة أقل من غيره، البعض يشبعه رغيف واحد كل يوم بينما خلق الله بعض الناس بحاجة إلى ستة أرغفة يوميا، هذا خلق الله وليس صنعنا. يتفاوت الناس بشكل كبير للغاية من حيث حاجتهم للطعام وللجنس أيضا، وهذه حقائق علمية.
بالنهاية كل المطلوب هو إعطاء الرجال والنساء الراشدين الحق الكامل في استغلال أجسادهم ليس أكثر، فمن يستطيع أن لا يقيم علاقة مع الجنس الآخر ويرغب في ذلك، فهذا طبيعي ولا مشكلة في ذلك. لكن الذي يشعر برغبة جارفة لإقامة مثل هذه العلاقة فهذا أيضا طبيعي ولا مشكلة في ذلك. فالأول والثاني من صنع الله، ومنع الثاني من تحقيق رغبة هو في أشد الحاجة إليها ليس إلا تدمير نفسي وفسيولوجي له، كما هو واضح من المشاهدات التي تملأ المجتمع والتي يصر البعض على اعتبارها شاذة للدرجة التي يجب أن نعتبر المجت
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ